Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 21:10-25
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
(p-٩٣١)نَبَّهَ عِبادَهُ عَلى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا﴾ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ صِفَةٌ لِكِتابًا، والمُرادُ بِالذِّكْرِ هُنا الشَّرَفُ: أيْ فِيهِ شَرَفُكم كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] وقِيلَ: فِيهِ ذِكْرُكم: أيْ ذِكْرُ أمْرِ دِينِكم، وأحْكامِ شَرْعِكم وما تَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وقِيلَ: فِيهِ حَدِيثُكم. قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: مَكارِمُ أخْلاقِكم ومَحاسِنُ أعْمالِكم. وقِيلَ: فِيهِ العَمَلُ بِما فِيهِ حَياتُكم. قالَهُ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وقِيلَ: فِيهِ مَوْعِظَتُكم، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: أيْ أفَلا تَعْقِلُونَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، أوْ لا تَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ. ثُمَّ أوْعَدَهم وحَذَّرَهم ما جَرى عَلى الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ، فَقالَ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾ كَمْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها مَفْعُولُ قَصَمْنا، وهي الخَبَرِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلتَّكْثِيرِ، والقَصْمُ كَسْرُ الشَّيْءِ ودَقُّهُ، يُقالُ: قَصَمْتُ ظَهْرَ فُلانٍ إذا كَسَرْتَهُ، واقْتَصَمَتْ سِنُّهُ إذا انْكَسَرَتْ. والمَعْنى هُنا: الإهْلاكُ والعَذابُ، وأمّا الفَصْمُ بِالفاءِ فَهو الصَّدْعُ في الشَّيْءِ مِن غَيْرِ بَيْنُونَةٍ، وجُمْلَةُ كانَتْ ظالِمَةً في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ، وفي الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ: أيْ وكَمْ قَصَمْنا مِن أهْلِ قَرْيَةٍ كانُوا ظالِمِينَ: أيْ كافِرِينَ بِاللَّهِ مُكَذِّبِينَ بِآياتِهِ، والظُّلْمُ في الأصْلِ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهم وضَعُوا الكُفْرَ في مَوْضِعِ الإيمانِ ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أيْ أوْجَدْنا وأحْدَثْنا بَعْدَ إهْلاكِ أهْلِها قَوْمًا لَيْسُوا مِنها.