Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 20:128-135
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يُهْلِكُهم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ مِن أنَّكَ ساحِرٌ كَذّابٌ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَطاعِنِهِمُ الباطِلَةِ، والمَعْنى: لا تَحْتَفِلُ بِهِمْ، فَإنَّ لِعَذابِهِمْ وقْتًا مَضْرُوبًا لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ. وقِيلَ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ القِتالِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِهِ، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: والمُرادُ الصَّلَواتُ الخَمْسُ كَما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى صَلاةِ الفَجْرِ ﴿وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ فَإنَّهُ إشارَةٌ إلى صَلاةِ العَصْرِ ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ العَتَمَةِ، والمُرادُ بِالآناءِ السّاعاتُ، وهي جَمْعُ إنًى بِالكَسْرِ والقَصْرِ، وهو السّاعَةُ، ومَعْنى فَسَبِّحْ أيْ فَصَلِّ ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ أيِ المَغْرِبَ والظُّهْرَ لِأنَّ الظُّهْرَ في آخِرِ طَرَفِ النَّهارِ الأوَّلِ، وأوَّلِ طَرَفِ النَّهارِ الآخَرِ. وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ هي بِقَوْلِهِ: ﴿وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ لِأنَّها هي وصَلاةُ العَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ صَلاةُ التَّطَوُّعِ، ولَوْ قِيلَ لَيْسَ في الآيَةِ إشارَةٌ إلى الصَّلاةِ بَلِ المُرادُ التَّسْبِيحُ في هَذِهِ الأوْقاتِ: أيْ قَوْلُ القائِلِ سُبْحانَ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعِيدًا مِنَ الصَّوابِ، والتَّسْبِيحُ في هَذِهِ الأوْقاتِ وإنْ كانَ يُطْلَقُ عَلى الصَّلاةِ ولَكِنَّهُ مَجازٌ، والحَقِيقَةُ أوْلى إلّا لِقَرِينَةٍ تَصْرِفُ ذَلِكَ إلى المَعْنى المَجازِيِّ، وجُمْلَةُ ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ فَسَبِّحْ: أيْ سَبِّحْ في هَذِهِ الأوْقاتِ رَجاءَ أنْ تَنالَ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ الكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ( تُرْضى ) بِضَمِّ التّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ: أيْ يَرْتَضِيكَ رَبُّكَ.