Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 20:77-91
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَتِ المُواعَدَةُ أنْ يُوافِيَ مُوسى وجَماعَةٌ مِن وُجُوهِ قَوْمِهِ، فَسارَ مُوسى بِهِمْ، ثُمَّ عَجَّلَ مِن بَيْنِهِمْ شَوْقًا إلى رَبِّهِ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: ما أعَجَلَكَ ؟ أيْ ما الَّذِي حَمَلَكَ عَلى العَجَلَةِ، حَتّى تَرَكْتَ قَوْمَكَ وخَرَجتَ مِن بَيْنِهِمْ. فَأجابَ مُوسى عَنْ ذَلِكَ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ أيْ هم بِالقُرْبِ مِنِّي، تابِعُونَ لِأثَرِي واصِلُونَ بَعْدِي. وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ أنَّهم يَسِيرُونَ خَلْفَهُ، بَلْ أرادَ أنَّهم بِالقُرْبِ مِنهُ يَنْتَظِرُونَ عَوْدَهُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ مُصَرِّحًا بِسَبَبِ ما سَألَهُ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ أيْ لِتَرْضى عَنِّي بِمُسارَعَتِي إلى امْتِثالِ أمْرِكَ أوْ لِتَزْدادَ رِضًا عَنِّي بِذَلِكَ. قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ ( أُولا ) مَقْصُورَةً، وأهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ ( أُولاءِ ) مَمْدُودَةً. وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ ونَضْرٌ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ عَلى ( إثْرِي ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الثّاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها وهُما لُغَتانِ. ومَعْنى عَجِلْتُ إلَيْكَ: عَجِلْتُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي أمَرْتَنِي بِالمَصِيرِ إلَيْهِ لِتَرْضى عَنِّي، يُقالُ: رَجُلٌ عَجِلٌ وعَجُولٌ وعَجْلانُ: بَيِّنُ العَجَلَةِ، والعَجَلَةُ خِلافُ البُطْءِ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ فَماذا قالَ اللَّهُ لَهُ ؟ فَقِيلَ قالَ إنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ: أيِ ابْتَلَيْناهم واخْتَبَرْناهم وألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: صَيَّرْناهم مَفْتُونِينَ أشْقِياءَ بِعِبادَةِ العِجْلِ مِن بَعْدِ انْطِلاقِكَ مِن بَيْنِهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ خَلَّفَهم مَعَ هارُونَ ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيْ دَعاهم إلى الضَّلالَةِ، وكانَ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَدَخَلَ في دِينِ بَنِي إسْرائِيلَ في الظّاهِرِ وفي قَلْبِهِ ما فِيهِ مِن عِبادَةِ البَقَرِ، وكانَ مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، وقالَ لِمَن مَعَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّما تَخَلَّفَ مُوسى عَنِ المِيعادِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهُ لِما صارَ مَعَكم مِنَ الحُلِيِّ، وهي حَرامٌ عَلَيْكم وأمَرَهم بِإلْقائِها في النّارِ، فَكانَ مِن أمْرِ العِجْلِ ما كانَ.