Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 20:45-59
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّ أعْمالَهم مَحْفُوظَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يُجازِي بِها، والتَّقْدِيرُ: عِلْمُ أعْمالِهِا عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ أنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ تَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَنْ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ. وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فِي كِتابٍ﴾ كَذا قالَ الزَّجّاجُ. قالَ ومَعْنى لا يَضِلُّ لا يَهْلِكُ مِن قَوْلِهِ ﴿أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] ولا يَنْسى شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، فَقَدْ نَزَّهَهُ عَنِ الهَلاكِ والنِّسْيانِ. القَوْلُ الثّانِي أنَّ مَعْنى لا يَضِلُّ لا يُخْطِئُ. القَوْلُ الثّالِثُ أنَّ مَعْناهُ لا يَغِيبُ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أصْلُ الضَّلالِ الغَيْبُوبَةُ. القَوْلُ الرّابِعُ أنَّ المَعْنى لا يَحْتاجُ إلى كِتابٍ، ولا يَضِلُّ عَنْهُ عِلْمُ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولا يَنْسى ما عَلِمَهُ مِنها، حُكِيَ هَذا عَنِ الزَّجّاجِ أيْضًا. قالَ النَّحّاسُ: وهو أشْبَهُها بِالمَعْنى. ولا يَخْفى أنَّهُ كَقَوْلِ ابْنِ الأعْرابِيِّ. القَوْلُ الخامِسُ أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ صِفَةٌ لِكِتابٍ، والمَعْنى: أنَّ الكاتِبَ غَيْرُ ذاهِبٍ عَنِ اللَّهِ ولا ناسٍ لَهُ. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا﴾ المَوْصُولُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَبِّي مُتَضَمِّنَةٌ لِزِيادَةِ البَيانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ. قَرَأ الكُوفِيُّونَ مَهْدًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ: أيْ مَهَّدَها مَهْدًا، أوْ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ: أيْ ذاتِ مَهْدٍ، وهو اسْمٌ لِما يُمَهَّدُ كالفِراشِ لِما يُفْرَشُ. وقَرَأ الباقُونَ ( مِهادًا ) واخْتارَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ قالَ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى قِراءَةِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبأ: ٦] قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ أوْلى مِنَ المَصْدَرِ، لِأنَّ هَذا المَوْضِعَ لَيْسَ مَوْضِعَ المَصْدَرِ إلّا عَلى (p-٩١٢)حَذْفِ المُضافِ. قِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِهادًا مُفْرَدًا كالفِراشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، ومَعْنى المِهادِ: الفِراشُ فالمِهادُ جَمْعُ المَهْدِ: أيْ جَعَلَ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنها مَهْدًا لِكُلِّ واحِدٍ مِنكم ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾ السَّلْكُ: إدْخالُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. والمَعْنى: أدْخَلَ في الأرْضِ لِأجْلِكم طُرُقًا تَسْلُكُونَها وسَهَّلَها لَكم. وفي الآيَةِ الأُخْرى ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلًا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ١٠] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُمْتَنًّا عَلى عِبادِهِ ﴿وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو ماءُ المَطَرِ، قِيلَ إلى هُنا انْتَهى كَلامُ مُوسى، وما بَعْدَهُ هو ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وقِيلَ: هو مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْ مُوسى مَعْطُوفٌ عَلى أنْزَلَ، وإنَّما التَفَتَ إلى التَّكَلُّمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ظُهُورِ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ. ونُوقِشَ بِأنَّ هَذا خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ اسْتِلْزامِهِ فَوْتَ الِالتِفاتِ لِعَدَمِ اتِّحادِ المُتَكَلِّمِ،