Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 19:73-80
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ لَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ حالِ أهْلِ الضَّلالَةِ، أرادَ أنْ يُبَيِّنَ حالَ أهْلِ الهِدايَةِ فَقالَ: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ الهُدى يَجُرُّ إلى البَعْضِ الآخَرِ، والخَيْرُ يَدْعُو إلى الخَيْرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالزِّيادَةِ العِبادَةُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والواوُ في ويَزِيدُ لِلِاسْتِئْنافِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ حالِ المُهْتَدِينَ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى فَلْيَمْدُدْ، وقِيلَ: لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةِ مَن كانَ في الضَّلالَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَزِيدَهم يَقِينًا كَما جَعَلَ جَزاءَ الكافِرِينَ أنْ يَمُدَّهم في ضَلالَتِهِمْ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ هي الطّاعاتُ المُؤَدِّيَةُ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ، ومَعْنى كَوْنِها خَيْرًا عِنْدَ اللَّهِ ثَوابًا، أنَّها أنْفَعُ عائِدَةً مِمّا يَتَمَتَّعُ بِهِ الكُفّارُ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ المَرَدُّ هاهُنا مَصْدَرٌ كالرَّدِّ، والمَعْنى وخَيْرٌ مَرَدًّا لِلثَّوابِ عَلى فاعِلِها لَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي خَسِرُوا فِيها، والمَرَدُّ المَرْجِعُ والعاقِبَةُ والتَّفَضُّلُ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ لِلْقَطْعِ بِأنَّ أعْمالَ الكُفّارِ لا خَيْرَ فِيها أصْلًا. ثُمَّ أرْدَفَ سُبْحانَهُ مَقالَةَ أُولَئِكَ المُفْتَخِرِينَ بِأُخْرى مِثْلِها عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ أيْ أخْبِرْنِي بِقِصَّةِ هَذا الكافِرِ واذْكُرْ حَدِيثَهُ عَقِبَ (p-٨٩٩)حَدِيثِ أُولَئِكَ، وإنَّما اسْتَعْمَلُوا أرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبَرَ، لِأنَّ رُؤْيَةَ الشَّيْءِ مِن أسْبابِ صِحَّةِ الخَبَرِ عَنْهُ، والآياتُ تَعُمُّ كُلَّ آيَةٍ ومِن جُمْلَتِها آيَةُ البَعْثِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ: أيْ أنَظَرْتَ فَرَأيْتَ، واللّامُ في ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ هي المُوَّطِئَةُ لِلْقَسَمِ، كَأنَّهُ قالَ: واللَّهِ لَأُوتَيَنَّ في الآخِرَةِ مالًا ووَلَدًا: أيِ انْظُرْ إلى حالِ هَذا الكافِرِ وتَعَجَّبْ مِن كَلامِهِ وتَألِّيهِ عَلى اللَّهِ مَعَ كُفْرِهِ بِهِ وتَكْذِيبِهِ بِآياتِهِ.