Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 19:64-72
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ أكَّدَ جِبْرِيلُ ما أخْبَرَ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِنَ الجِهاتِ والأماكِنِ، أوْ مِنَ الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ والمُسْتَقْبَلَةِ، وما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ أوِ المَكانِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ، فَلا نَقْدِرُ عَلى أنْ نَنْتَقِلَ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، أوْ مِن زَمانٍ إلى زَمانٍ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ ومَشِيئَتِهِ، وقِيلَ: المَعْنى: لَهُ ما سَلَفَ مِن أمْرِ الدُّنْيا وما يُسْتَقْبَلُ مِن أمْرِ الآخِرَةِ وما بَيْنَ ذَلِكَ، وهو ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، وقِيلَ: الأرْضُ الَّتِي بَيْنَ أيْدِينا إذا نَزَلْنا، والسَّماءُ الَّتِي وراءَنا وما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: ما مَضى مِن أعْمارِنا وما غُيِّرَ مِنها والحالَةُ الَّتِي نَحْنُ فِيها.
وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها يَكُونُ المَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ولا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، فَلا نُقْدِمُ عَلى أمْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، وقالَ: وما بَيْنَ ذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ وما بَيْنَ ذَيْنِكَ لِأنَّ المُرادَ: وما بَيْنَ ما ذَكَرْنا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [الجاثية: ٦٨] ﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ: لَمْ يَنْسَكَ وإنْ تَأخَّرَ عَنْكَ الوَحْيُ، وقِيلَ: المَعْنى: إنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ الأشْياءِ لا يَنْسى مِنها شَيْئًا، وقِيلَ: المَعْنى: وما كانَ رَبُّكَ يَنْسى الإرْسالَ إلَيْكَ عِنْدَ الوَقْتِ الَّذِي يُرْسِلُ فِيهِ رُسُلَهُ.