Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 18:1-8
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
والقَيِّمُ: المُسْتَقِيمُ الَّذِي لا مَيْلَ فِيهِ، أوِ القَيِّمُ بِمَصالِحِ العِبادِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، أوِ القَيِّمُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ مُهَيْمِنًا عَلَيْها، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ نَفْيُ العِوَجِ، فَرُبَّ مُسْتَقِيمٍ في الظّاهِرِ لا يَخْلُو عَنْ أدْنى عِوَجٍ في الحَقِيقَةِ، وانْتِصابُ ( قَيِّمًا ) بِمُضْمَرٍ أيْ: جَعَلَهُ قَيِّمًا، ومَنَعَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الكِتابِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ( ولَمْ يَجْعَلْ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْزَلَ ) فَهو داخِلٌ في حَيِّزِ الصِّلَةِ، فَجاعِلُهُ حالًا مِنَ الكِتابِ فَصَلَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ بِبَعْضِ الصِّلَةِ.
وقالَ الأصْفَهانِيُّ: هُما حالانِ مُتَوالِيانِ إلّا أنَّ الأوَّلَ جُمْلَةٌ والثّانِي مُفْرَدٌ، وهَذا صَوابٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ( ﴿ولَمْ يَجْعَلْ﴾ ) لَمْ يَكُنْ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ بَلِ الواوُ لِلْحالِ، فَلا فَصْلَ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ بِبَعْضِ الصِّلَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ( قَيِّمًا ) حالٌ مِن ضَمِيرِ ( لَمْ يَجْعَلْ لَهُ ) وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، ثُمَّ أرادَ سُبْحانَهُ أنْ يُفَصِّلَ ما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ( قَيِّمًا ) فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ وحُذِفَ المُنْذَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ مَعَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ، والمَعْنى: لِيُنْذِرَ الكافِرِينَ.