Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 17:56-60
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الِامْتِناعَ مِن إرْسالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ عَلى رَسُولِهِ لِلصّارِفِ المَذْكُورِ قَوّى قَلْبَهُ بِوَعْدِ النَّصْرِ والغَلَبَةِ فَقالَ: ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اذْكُرْ إذْ قُلْنا لَكَ، أيْ: أنَّهم في قَبْضَتِهِ وتَحْتَ قُدْرَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَهم إلى الخُرُوجِ مِمّا يُرِيدُهُ بِهِمْ لِإحاطَتِهِ لَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ مَكَّةَ، وإحاطَتُهُ بِهِمْ إهْلاكُهُ إيّاهم، أيْ: إنَّ اللَّهَ سَيُهْلِكُهم، وعَبَّرَ بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، وذَلِكَ كَما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ ويَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ عَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّ إنْزالَ الآياتِ يَتَضَمَّنُ التَّخْوِيفَ ضَمَّ إلَيْهِ ذِكْرَ آيَةِ الإسْراءِ، وهي المَذْكُورَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ، وسَمّاها رُؤْيا لِأنَّها وقَعَتْ بِاللَّيْلِ، أوْ لِأنَّ الكَفَرَةَ قالُوا لَعَلَّها رُؤْيا، وقَدْ قَدَّمْنا في صَدْرِ السُّورَةِ وجْهًا آخَرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الرُّؤْيا، وكانَتِ الفِتْنَةُ ارْتِدادَ قَوْمٍ كانُوا أسْلَمُوا حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ، وقِيلَ: كانَتْ رُؤْيا نَوْمٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فافْتَتَنَ المُسْلِمُونَ لِذَلِكَ، فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ وقَدْ تُعُقِّبَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، والرُّؤْيا المَذْكُورَةَ كانَتْ بِالمَدِينَةِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الرُّؤْيا المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ رَأى بَنِي مَرْوانَ يَنْزَوْنَ عَلى مِنبَرِهِ نَزْوَ القِرَدَةِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إنَّما هي الدُّنْيا أعْطَوْها فَسُرِّيَ عَنْهُ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فَإنَّهُ لا فِتْنَةَ لِلنّاسِ في هَذِهِ الرُّؤْيا إلّا أنْ يُرادَ بِالنّاسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وحْدَهُ، ويُرادُ بِالفِتْنَةِ ما حَصَلَ مِنَ المَساءَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ يُحْمَلُ عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ أخْبَرَ النّاسَ بِها فافْتَتَنُوا.