Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 17:31-33
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
؎ولا تَكُ فِيها مُفْرِطًا أوْ مُفَرِّطًا ∗∗∗ كِلا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
وقَدْ مَثَّلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ حالَ الشَّحِيحِ بِحالِ مَن كانَتْ يَدُهُ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِهِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ التَّصَرُّفَ بِها، ومَثَّلَ حالَ مَن يُجاوِزُ الحَدَّ في التَّصَرُّفِ بِحالِ مَن يَبْسُطُ يَدَهُ بَسْطًا لا يَتَعَلَّقُ بِسَبَبِهِ فِيها شَيْءٌ مِمّا تَقْبِضُ الأيْدِيَ عَلَيْهِ، وفي هَذا التَّصْوِيرِ مُبالِغَةٌ بَلِيغَةٌ، ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ غائِلَةَ الطَّرَفَيْنِ المَنهِيِّ عَنْهُما فَقالَ: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ عِنْدَ النّاسِ بِسَبَبِ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الشُّحِّ مَحْسُورًا بِسَبَبِ ما فَعَلْتَهُ مِنَ الإسْرافِ، أيْ: مُنْقَطِعًا عَنِ المَقاصِدِ بِسَبَبِ الفَقْرِ، والمَحْسُورُ في الأصْلِ: المُنْقَطِعُ عَنِ السَّيْرِ، مِن حَسَرَهُ السَّفَرُ: إذا بَلَغَ مِنهُ، والبَعِيرُ الحَسِيرُ هو الَّذِي ذَهَبَتْ قُوَّتُهُ فَلا انْبِعاثَ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ أيْ كَلَيْلٌ مُنْقَطِعٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ نادِمًا عَلى ما سَلَفَ، فَجَعَلَهُ هَذا القائِلُ مِنَ الحَسْرَةِ الَّتِي هي النَّدامَةُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّ الفاعِلَ مِنَ الحَسْرَةِ حَسْرانٌ، ولا يُقالُ مَحْسُورٌ إلّا لِلْمَلُومِ.