Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 17:12-17
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَرَأ الجُمْهُورُ أمَرْنا مِنَ الأمْرِ، ومَعْناهُ ما قَدَّمْنا في القَوْلِ الأوَّلِ، ومَعْنى مُتْرَفِيها المُنَعَّمُونَ الَّذِينَ قَدْ أبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ، والمُفَسِّرُونَ يَقُولُونَ في تَفْسِيرِ المُتْرَفِينَ: إنَّهُمُ الجَبّارُونَ المُتَسَلِّطُونَ والمُلُوكُ الجائِرُونَ قالَ: وإنَّما خُصُّوا بِالذِّكْرِ لِأنَّ مَن عَداهم أتْباعٌ لَهم ومَعْنى فَسَقَوْا فِيها: خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ وتَمَرَّدُوا في كُفْرِهِمْ لِأنَّ الفُسُوقَ الخُرُوجُ إلى ما هو أفْحَشُ ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ ثَبَتَ وتَحَقَّقَ عَلَيْهِمُ العَذابُ بَعْدَ ظُهُورِ فِسْقِهِمْ ﴿فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ أيْ تَدْمِيرًا عَظِيمًا لا يُوقَفُ عَلى كُنْهِهِ لِشِدَّتِهِ وعِظَمِ مَوْقِعِهِ، وقَدْ قِيلَ في تَأْوِيلِ أمْرِنا بِأنَّهُ مَجازٌ عَنِ الأمْرِ الحامِلِ لَهم عَلى الفِسْقِ، وهو إدْرارُ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أيْضًا إنَّ المُرادَ بِأرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أنَّهُ قُرْبُ إهْلاكِ قَرْيَةٍ، وهو عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ بِدُونِ مُلْجِئٍ إلَيْهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ عادَتُهُ الجارِيَةُ مَعَ القُرُونِ الخالِيَةِ فَقالَ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ﴾ (p-٨١٥)أيْ كَثِيرًا ما أهْلَكْنا مِنهم، فَ ( كَمْ ) مَفْعُولُ ( أهْلَكْنا )، و( مِنَ القُرُونِ ) بَيانٌ لِ ( كَمْ ) وتَمْيِيزٌ لَهُ، أيْ: كَمْ مِن قَوْمٍ كَفَرُوا مِن بَعْدِ نُوحٍ كَعادٍ وثَمُودَ، فَحَلَّ بِهِمُ البَوارُ ونَزَلَ بِهِمْ سَوْطُ العَذابِ، وفِيهِ تَخْوِيفٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ.