cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 17:1-3

Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani

وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى التَّفْصِيلِ فَقالُوا: كانَ الإسْراءُ بِجَسَدِهِ يَقَظَةً إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وإلى السَّماءِ بِالرُّوحِ، واسْتَدَلُّوا عَلى هَذا التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى، فَجَعَلَهُ غايَةً لِلْإسْراءِ بِذاتِهِ ﷺ فَلَوْ كانَ الإسْراءُ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى السَّماءِ وقَعَ بِذاتِهِ لَذَكَرَهُ، والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ الكَثِيرَةُ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ والخَلْفِ مِن أنَّ الإسْراءَ بِجَسَدِهِ ورُوحِهِ يَقَظَةً إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ إلى السَّماواتِ، ولا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ وصَرْفِ هَذا النَّظْمِ القُرْآنِيِّ وما يُماثِلُهُ مِن ألْفاظِ الأحادِيثِ إلى ما يُخالِفُ الحَقِيقَةَ، ولا مُقْتَضًى لِذَلِكَ إلّا مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعادِ وتَحْكِيمُ مَحْضِ العُقُولِ القاصِرَةِ عَنْ فَهْمِ ما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّهُ لا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ رُؤْيا كَما يَقُولُهُ مَن زَعَمَ أنَّ الإسْراءَ كانَ بِالرُّوحِ فَقَطْ، وأنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ حَقٌّ لَمْ يَقَعِ التَّكْذِيبُ مِنَ الكَفَرَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ إخْبارِهِ لَهم بِذَلِكَ حَتّى ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِمَّنْ لَمْ يَشْرَحْ بِالإيمانِ صَدْرًا، فَإنَّ الإنْسانَ قَدْ يَرى في نَوْمِهِ ما هو مُسْتَبْعَدٌ، بَلْ ما هو مُحالٌ ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ أحَدٌ، وأمّا التَّمَسُّكُ لِمَن قالَ بِأنَّ هَذا الإسْراءَ إنَّما كانَ بِالرُّوحِ عَلى سَبِيلِ الرُّؤْيا بِقَوْلِهِ ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ فَعَلى تَسْلِيمِ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الرُّؤْيا هو هَذا الإسْراءُ، فالتَّصْرِيحُ الواقِعُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ والتَّصْرِيحُ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ الكَثِيرَةِ بِأنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ لا تَقْصُرُ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى تَأْوِيلِ هَذِهِ الرُّؤْيا الواقِعَةِ في الآيَةِ بِرُؤْيَةِ العَيْنِ، فَإنَّهُ قَدْ يُقالُ لِرُؤْيَةِ العَيْنِ رُؤْيا، وكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُ هَذا الإسْراءِ عَلى الرُّؤْيا مَعَ تَصْرِيحِهِ ﷺ بِأنَّهُ كانَ عِنْدَ أنْ أُسَرِيَ بِهِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.