Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:120-128
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن أُصِيبَ بِظُلامَةٍ أنْ لا يَنالَ مِن ظالِمِهِ إذا تَمَكَّنَ إلّا مِثْلَ ظُلامَتِهِ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها، وهَذا صَوابٌ، لِأنَّ الآيَةَ وإنْ قِيلَ إنَّ لَها سَبَبًا خاصًّا كَما سَيَأْتِي، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعُمُومُهُ يُؤَدِّي هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرَهُ، وسَمّى سُبْحانَهُ الفِعْلَ الأوَّلَ الَّذِي هو فِعْلُ البادِئِ بِالشَّرِّ عُقُوبَةً، مَعَ أنَّ العُقُوبَةَ لَيْسَتْ إلّا فِعْلَ الثّانِي وهو المُجازِي لِلْمُشاكَلَةِ، وهي بابٌ مَعْرُوفٌ وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ.
ثُمَّ حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى العَفْوِ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ أيْ لَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنِ المُعاقَبَةِ بِالمَثَلِ فالصَّبْرُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الِانْتِصافِ، ووُضِعَ الصّابِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ، ثَناءً مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم صابِرُونَ عَلى الشَّدائِدِ.
وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها وارِدَةٌ في الصَّبْرِ عَنِ المُعاقَبَةِ والثَّناءِ عَلى الصّابِرِينَ عَلى العُمُومِ، وقِيلَ هي مَنسُوخَةٌ بِآياتِ القِتالِ، ولا وجْهَ لِذَلِكَ.
ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ فَقالَ: واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ مِن صُنُوفِ الأذى ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ بِتَوْفِيقِهِ وتَثْبِيتِهِ، والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ، أيْ: وما صَبْرُكَ مَصْحُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا بِتَوْفِيقِهِ لَكَ، وفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ .