Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:120-128
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قِيلَ وهي الحُجَجُ الظَّنِّيَّةُ الإقْناعِيَّةُ المُوجِبَةُ لِلتَّصْدِيقِ بِمُقَدَّماتٍ مَقْبُولَةٍ، قِيلَ ولَيْسَ لِلدَّعْوَةِ إلّا هاتانِ الطَّرِيقَتانِ، ولَكِنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَحْتاجُ مَعَ الخَصْمِ الألَدِّ إلى اسْتِعْمالِ المُعارَضَةِ والمُناقَضَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الجَدَلِ، ولِهَذا قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي هي أحْسَنُ طُرُقِ المُجادَلَةِ، وإنَّما (p-٨٠٨)أمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ لِكَوْنِ الدّاعِي مُحِقّا وغَرَضُهُ صَحِيحًا، وكانَ خَصْمُهُ مُبْطِلًا وغَرَضُهُ فاسِدًا ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى الدَّعْوَةِ بِالطُّرُقِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّ الرُّشْدَ والهِدايَةَ لَيْسَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما ذَلِكَ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ﴾ أيْ هو العالِمُ بِمَن يَضِلُّ ومَن يَهْتَدِي ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ أيْ بِمَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَقْصِدُهُ غَيْرَ مُتَعَنِّتٍ، وإنَّما شَرَعَ لَكَ الدَّعْوَةَ وأمَرَكَ بِها قَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ وتَتْمِيمًا لِلْحُجَّةِ وإزاحَةً لِلشُّبْهَةِ، ولَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
ثُمَّ لَمّا كانَتِ الدَّعْوَةُ تَتَضَمَّنُ تَكْلِيفَ المَدْعُوِّينَ بِالرُّجُوعِ إلى الحَقِّ فَإنْ أبَوْا قُوتِلُوا، أمَرَ الدّاعِي بِأنْ يَعْدِلَ في العُقُوبَةِ فَقالَ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ أيْ أرَدْتُمُ المُعاقَبَةَ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ أيْ بِمِثْلِ ما فُعِلَ بِكم لا تُجاوِزُوا ذَلِكَ.