Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:106-111
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، أوْ إلى الوَعِيدِ بِالغَضَبِ والعَذابِ، والباءُ في ﴿بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ تَأْثِيرِهِمْ لِلْحَياةِ الدُّنْيا ﴿عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا أيْ ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا، وبِأنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ إلى الإيمانِ بِهِ.
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ أيِ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾ فَلَمْ يَفْهَمُوا المَواعِظَ ولا سَمِعُوها، ولا أبْصَرُوا الآياتِ الَّتِي يُسْتَدَلُّ بِها عَلى الحَقِّ، وقَدْ سَبَقَ تَحْقِيقُ الطَّبْعِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، ثُمَّ أثْبَتَ لَهم صِفَةَ نَقْصٍ غَيْرَ الصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، وضَمِيرُ الفَصْلِ يُفِيدُ أنَّهم مُتَناهُونَ في الغَفْلَةِ، إذْ لا غَفْلَةَ أعْظَمُ مِن غَفْلَتِهِمْ هَذِهِ.
﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الخُسْرانِ البالِغُونَ إلى غايَةٍ مِنهُ لَيْسَ فَوْقَها غايَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ الكَلامِ في مَعْنى لا جَرَمَ في مَواضِعَ مِنها ما هو في هَذِهِ السُّورَةِ.