Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:97-105
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ لِهَؤُلاءِ المُعْتَرِضِينَ عَلى حِكْمَةِ النَّسْخِ الزّاعِمِينَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ رَسُولَهُ ﷺ افْتَراهُ فَقالَ: قُلْ نَزَّلَهُ أيِ القُرْآنَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الآيَةِ ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾ أيْ جِبْرِيلُ، والقُدْسُ التَّطْهِيرُ، والمَعْنى: نَزَّلَهُ الرُّوحُ المُطَهَّرُ مِن أدْناسِ البَشَرِيَّةِ، فَهو مِن إضافَةِ مَوْصُوفٍ إلى الصِّفَةِ مِن رَبِّكَ أيِ ابْتِداءُ تَنْزِيلِهِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ، وبِالحَقِّ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيٌّ مُتَلَبِّسًا بِكَوْنِهِ حَقًّا ثابِتًا لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى الإيمانِ، فَيَقُولُونَ: كُلٌّ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ مِن عِنْدِ رَبِّنا، ولِأنَّهم أيْضًا إذا عَرَفُوا ما في النَّسْخِ مِنَ المَصالِحِ ثَبَتَتْ أقْدامُهم عَلى الإيمانِ ورَسَخَتْ عَقائِدُهم.
وقُرِئَ " لِيَثْبُتَ " مِنَ الإثْباتِ ﴿وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وهُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّ لِيُثَبِّتَ، أيْ: تَثْبِيتًا لَهم وهِدايَةً وبِشارَةً، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الخِصالِ لِغَيْرِهِمْ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ شُبْهَةً أُخْرى مَن شُبَهِهِمْ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ اللّامُ هي المُوَطِّئَةُ، أيْ: ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا القُرْآنَ بَشَرٌ مِن بَنِي آدَمَ غَيْرُ مَلَكٍ.