Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:70-74
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ الحالَةَ الأُخْرى مِن أحْوالِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي النِّساءَ فَإنَّهُ خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعِ آدَمَ، أوِ المَعْنى: خَلَقَ لَكم مِن جِنْسِكم أزْواجًا لِتَسْتَأْنِسُوا بِها، لِأنَّ الجِنْسَ يَأْنَسُ إلى جِنْسِهِ ويَسْتَوْحِشُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِسَبَبِ هَذِهِ الأُنْسَةِ يَقَعُ بَيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ما هو سَبَبٌ لِلنَّسْلِ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالزَّواجِ، ولِهَذا قالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾ الحَفْدَةُ جَمْعُ حافِدٍ، يُقالُ حَفَدَ يَحْفِدُ حَفْدًا وحُفُودًا: إذا أسْرَعَ، فَكُلُّ مَن أسْرَعَ في الخِدْمَةِ فَهو حافِدٌ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: الحَفْدُ العَمَلُ والخِدْمَةُ.
قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: الحَفَدَةُ عِنْدَ العَرَبِ الخَدَمُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ وهو الأعْشى:
؎كَلَّفْتَ مَجْهُولَنا نُوقًا يَمانِيَّةً إذِ الحُداةُ عَلى أكْتافِها حَفَدُوا
أيِ الخَدَمُ والأعْوانُ.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: قِيلَ: الحَفَدَةُ أوْلادُ الأوْلادِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: الأخْتانُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، وأبُو الضُّحى، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَوْ أنَّ نَفْسِي طاوَعَتْنِي لَأصْبَحَتْ ∗∗∗ لَها حَفَدٌ مِمّا يُعَدُّ كَثِيرُ
؎ولَكِنَّها نَفْسٌ عَلَيَّ أبِيَّةٌ ∗∗∗ عَيُوفٌ لِأصْهارِ اللِّئامِ قَذُورُ
وقِيلَ الحَفَدَةُ: الأصْهارُ.