Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:69
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ العَسَلَ يَخْرُجُ مِن أفْواهِ النَّحْلِ، وقِيلَ مِن أسْفَلِها، وقِيلَ لا يُدْرى مِن أيْنَ يَخْرُجُ مِنها، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾ راجِعٌ إلى الشَّرابِ الخارِجِ مِن بُطُونِ النَّحْلِ وهو العَسَلُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ.
وقالَ الفَرّاءُ، وابْنُ كَيْسانَ وجَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مِنَ الآياتِ والبَراهِينِ شِفاءٌ لِلنّاسِ، ولا وجْهَ لِلْعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ ومُخالَفَةِ المَرْجِعِ الواضِحِ والسِّياقِ البَيِّنِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ هَذا الشِّفاءُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ في العَسَلِ عامٌّ لِكُلِّ داءٍ أوْ خاصٌّ بِبَعْضِ الأمْراضِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو عَلى العُمُومِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِبَعْضِ الأمْراضِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ العَسَلَ نَكِرَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ فَلا يَكُونُ عامًّا، وتَنْكِيرُهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّعْظِيمُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى أنَّ فِيهِ شِفاءً عَظِيمًا لِمَرَضٍ أوْ أمْراضٍ، لا لِكُلِّ مَرَضٍ، فَإنَّ تَنْكِيرَ التَّعْظِيمِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، والظّاهِرُ المُسْتَفادُ مِنَ التَّجْرِبَةِ ومِن قَوانِينِ عِلْمِ الطِّبِّ، أنَّهُ إذا اسْتُعْمِلَ مُنْفَرِدًا كانَ دَواءً لِأمْراضٍ خاصَّةٍ وإنْ خُلِطَ مَعَ غَيْرِهِ كالمَعاجِينِ ونَحْوِها كانَ مَعَ ما خُلِطَ بِهِ دَواءً لِكَثِيرٍ مِنَ الأمْراضِ.