Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:41-50
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ، أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ نَفْيِ اسْتِكْبارِهِمْ، ومِن آثارِ الخَوْفِ عَدَمُ الِاسْتِكْبارِ، ومِن فَوْقِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَخافُونَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: يَخافُونَ عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، أوْ يَكُونُ حالًا مِنَ الرَّبِّ، أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم حالَ كَوْنِهِ مِن فَوْقِهِمْ، وقِيلَ مَعْنى ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَخافُونَ المَلائِكَةَ فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ: يَخافُونَ مَلائِكَةَ رَبِّهِمْ كائِنِينَ مِن فَوْقِهِمْ وهو تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وإنَّما اقْتَضى مِثْلَ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ البَعِيدَةِ المُحاماةُ عَلى مَذاهِبَ قَدْ رَسَخَتْ في الأذْهانِ، وتَقَرَّرَتْ في القُلُوبِ، قِيلَ: وهَذِهِ المَخافَةُ هي مَخافَةُ الإجْلالِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ فَقالَ: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾ خَوْفَ مُجِلِّينَ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ٦١]، وقَوْلُهُ إخْبارًا عَنْ فِرْعَوْنَ ﴿وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ﴿ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ: يَعْنِي المَلائِكَةَ، أوْ جَمِيعَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وحَمْلُ هَذِهِ الجُمَلَ عَلى المَلائِكَةِ أوْلى، لِأنَّ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ مَن يَسْتَكْبِرُ عَنْ عِبادَتِهِ، ولا يَخافُهُ ولا يَفْعَلُ ما يُؤْمَرُ بِهِ، كالكُفّارِ والعُصاةِ الَّذِينَ لا يَتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ وإبْلِيسَ وجُنُودِهِ.