Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:10-19
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذا في سُورَةِ إبْراهِيمَ، قالَ العُقَلاءُ: إنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الإنْسانِ لَوْ ظَهَرَ فِيهِ أدْنى خَلَلٍ وأيْسَرُ نَقْصٍ لَنَغَّصَ النِّعَمَ عَلى الإنْسانِ، وتَمَنّى أنْ يُنْفِقَ الدُّنْيا لَوْ كانَتْ في مِلْكِهِ حَتّى يَزُولَ عَنْهُ ذَلِكَ الخَلَلُ، فَهو سُبْحانُهُ يُدِيرُ بَدَنَ هَذا الإنْسانِ عَلى الوَجْهِ المُلائِمِ لَهُ، مَعَ أنَّ الإنْسانَ لا عِلْمَ لَهُ بِوُجُودِ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُطِيقُ حَصْرَ بَعْضِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ أوْ يَقْدِرُ عَلى إحْصائِها، أوْ يَتَمَكَّنُ مِن شُكْرِ أدْناها ؟
يا رَبَّنا هَذِهِ نَواصِينا بِيَدِكَ خاضِعَةٌ لِعَظِيمِ نِعَمِكَ مُعْتَرِفَةٌ بِالعَجْزِ عَنْ بادِيَةِ الشُّكْرِ لِشَيْءٍ مِنها، لا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ، ولا نُطِيقُ التَّعْبِيرَ بِالشُّكْرِ لَكَ، فَتَجاوَزْ عَنّا واغْفِرْ لَنا وأسْبِلْ ذُيُولَ سِتْرِكَ عَلى عَوْراتِنا فَإنَّكَ إنْ لا تَفْعَلْ ذَلِكَ نَهْلَكْ بِمُجَرَّدِ التَّقْصِيرِ في شُكْرِ نِعَمِكَ، فَكَيْفَ بِما قَدْ فَرَطَ مِنّا مِنَ التَّساهُلِ في الِائْتِمارِ بِأوامِرِكَ والِانْتِهاءِ عَنْ مَناهِيكَ، وما أحْسَنُ ما قالَ مَن قالَ:
؎العَفْوُ يُرْجى مِن بَنِي آدَمَ ∗∗∗ فَكَيْفَ لا يُرْجى مِنَ الرَّبِّ
فَقُلْتُ مُذَيِّلًا لِهَذا البَيْتِ الَّذِي هو قَصْرٌ مَشِيدٌ:
؎فَإنَّهُ أرْأفُ بِي مِنهُمُ ∗∗∗ حَسْبِي بِهِ حَسْبِي بِهِ حَسْبِي