Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:10-19
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
﴿وهو الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَسْخِيرِ البَحْرِ بِإمْكانِ الرُّكُوبِ عَلَيْهِ واسْتِخْراجِ ما فِيهِ مِن صَيْدٍ وجَواهِرَ، لِكَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ النِّعَمِ الَّتِي أنْعَمَ اللَّهُ بِها عَلى عِبادِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ في هَذا المَقامِ بَيْنَ التَّذْكِيرِ لَهم بِآياتِهِ الأرْضِيَّةِ والسَّماوِيَّةِ والبَحْرِيَّةِ، فَأرْشَدَهم إلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ المُتَنَوِّعَةِ المُخْتَلِفَةِ الأمْكِنَةِ إتْمامًا لِلْحُجَّةِ، وتَكْمِيلًا لِلْإنْذارِ، وتَوْضِيحًا لِمَنازِعِ الِاسْتِدْلالِ، ومَناطاتِ البُرْهانِ، ومَواضِعِ النَّظَرِ والِاعْتِبارِ، ثُمَّ ذَكَرَ العِلَّةَ في تَسْخِيرِ البَحْرِ فَقالَ: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ المُرادُ بِهِ السَّمَكُ، ووَصَفَهُ بِالطَّراوَةِ لِلْإشْعارِ بِلَطافَتِهِ، والإرْشادُ إلى المُسارَعَةِ بِأكْلِهِ لِكَوْنِهِ مِمّا يَفْسَدُ بِسُرْعَةٍ ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ (p-٧٧٦)أيْ لُؤْلُؤًا ومَرْجانًا كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وظاهِرُ قَوْلِهِ تَلْبَسُونَها أنَّهُ يَجُوزُ لِلرِّجالِ أنْ يَلْبَسُوا اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ، أيْ: يَجْعَلُونَهُ حِلْيَةً لَهم كَما يَجُوزُ لِلنِّساءِ، ولا حاجَةَ لِما تَكَلَّفَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَلْبَسُونَها بِقَوْلِهِ تَلْبَسُهُ نِساؤُهم، لِأنَّهُنَّ مَن جُمْلَتِهِمْ، أوْ لِكَوْنِهِنَّ يَلْبَسْنَها لِأجْلِهِمْ، ولَيْسَ في الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ ما يَقْتَضِي مَنعَ الرِّجالِ مِنَ التَّحَلِّي بِاللُّؤْلُؤِ والمَرْجانِ ما لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلى صِفَةٍ لا يَسْتَعْمِلُهُ عَلَيْها إلّا النِّساءُ خاصَّةً، فَإنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِن جِهَةِ كَوْنِهِ تَشَبُّهًا بِهِنَّ، وقَدْ ورَدَ الشَّرْعُ بِمَنعِهِ لا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ حِلْيَةَ لُؤْلُؤٍ أوْ مَرْجانٍ ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾ أيْ تَرى السُّفُنَ شَواقَّ لِلْماءِ تَدْفَعُهُ بِصَدْرِها.