Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 16:1-9
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
والحاصِلُ أنَّ الأدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى حِلِّ أكْلِ لُحُومِ الخَيْلِ، فَلَوْ سَلَّمْنا أنَّ في هَذِهِ الآيَةِ مُتَمَسَّكًا لِلْقائِلِينَ بِالتَّحْرِيمِ لَكانَتِ السُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ الثّابِتَةُ رافِعَةً لِهَذا الِاحْتِمالِ، ودافِعَةً لِهَذا الِاسْتِدْلالِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في مُؤَلَّفاتِنا بِما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى غَيْرِهِ ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَخْلُقُ ما لا يُحِيطُ عِلْمُكم بِهِ مِنَ المَخْلُوقاتِ غَيْرَ ما قَدْ عَدَّدَهُ هاهُنا، وقِيلَ: المُرادُ مِن أنْواعِ الحَشَراتِ والهَوامِّ في أسافِلِ الأرْضِ، وفي البَحْرِ مِمّا لَمْ يَرَهُ البَشَرُ ولَمْ يَسْمَعُوا بِهِ، وقِيلَ: هو ما أعَدَّ اللَّهُ لِعِبادِهِ في الجَنَّةِ وفي النّارِ مِمّا لَمْ تَرَهُ عَيْنٌ، ولَمْ تَسْمَعْ بِهِ أُذُنٌ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وقِيلَ هو خَلْقُ السُّوسِ في النَّباتِ والدُّودِ في الفَواكِهِ، وقِيلَ عَيْنٌ تَحْتَ العَرْشِ، وقِيلَ نَهْرٌ مِنَ النُّورِ، وقِيلَ أرْضٌ بَيْضاءُ، ولا وجْهَ لِلِاقْتِصارِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى نَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ ما لا يَعْلَمُ بِهِ العِبادُ، فَيَشْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ لا يُحِيطُ عِلْمُهم بِهِ، والتَّعْبِيرُ هُنا بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ خَلَقَ ما لا يَعْلَمُ بِهِ العِبادُ.