Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 15:87-99
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى الآيَةِ لا تَحْسُدَنَّ أحَدًا عَلى ما أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيا، ورُدَّ بِأنَّ الحَسَدَ مَنهِيٌّ عَنْهُ مُطْلَقًا، وإنَّما قالَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿لا تَمُدَّنَّ﴾ بِغَيْرِ واوٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ طَلَبٌ بِخِلافِ ما في سُورَةِ طه، ثُمَّ لَمّا نَهاهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى أمْوالِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ نَهاهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤْمِنُوا وصَمَّمُوا عَلى الكُفْرِ والعِنادِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تَحْزَنْ عَلى ما مُتِّعُوا بِهِ في الدُّنْيا فَلَكَ الآخِرَةُ.
والأوَّلُ أوْلى، ثُمَّ لَمّا نَهاهُ عَنْ أنْ يَمُدَّ عَيْنَيْهِ إلى أمْوالِ الكُفّارِ ولا يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ، وكانَ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّهاوُنَ بِهِمْ وبِما مَعَهم، أمَرَهُ أنْ يَتَواضَعَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وخَفْضُ الجَناحِ كِنايَةٌ عَنِ التَّواضُعِ ولِينِ الجانِبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وقَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎خَفَضْتُ لَهم مِنِّي جَناحَيْ مَوَدَّةٍ ∗∗∗ إلى كَنَفٍ عِطْفاهُ أهْلٌ ومَرْحَبُ
وأصْلُهُ أنَّ الطّائِرَ إذا ضَمَّ فَرْخَهُ إلى نَفْسِهِ بَسَطَ جَناحَهُ، ثُمَّ قَبَضَهُ عَلى الفَرْخِ فَجُعِلَ ذَلِكَ وصْفًا لِتَواضُعِ الإنْسانِ لِأتْباعِهِ، ويُقالُ: فُلانٌ خافِضُ الجَناحِ، أيْ: وقُورٌ ساكِنٌ، والجَناحانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ جانِباهُ، ومِنهُ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ طه ٢٢، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: