Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 14:19-23
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ لَمّا كَشَفَ لَهُمُ القِناعَ بِأنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم مِن عَذابِ اللَّهِ شَيْئًا، ولا يَنْصُرُهم بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ النَّصْرِ، صَرَّحَ لَهم بِأنَّهُ كافِرٌ بِإشْراكِهِمْ لَهُ مَعَ اللَّهِ في الرُّبُوبِيَّةِ مِن قَبْلِ هَذا الوَقْتِ الَّذِي قالَ لَهُمُ الشَّيْطانُ فِيهِ هَذِهِ المَقالَةَ، وهو ما كانَ مِنهم في الدُّنْيا مِن جَعْلِهِ شَرِيكًا، ولَقَدْ قامَ لَهُمُ الشَّيْطانُ في هَذا اليَوْمِ مَقامًا يَقْصِمُ ظُهُورَهم ويَقْطَعُ قُلُوبَهم، فَأوْضَحَ لَهم أوَّلًا أنَّ مَواعِيدَهُ الَّتِي كانَ يَعِدُهم بِها في الدُّنْيا باطِلَةٌ مُعارِضَةٌ لِوَعْدِ الحَقِّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وأنَّهُ أخْلَفَهم ما وعَدَهم مِن تِلْكَ المَواعِيدِ ولَمْ يَفِ لَهم بِشَيْءٍ مِنها، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم ثانِيًا بِأنَّهم قَبِلُوا قَوْلَهُ بِما لا يُوجِبُ القَبُولَ، ولا يَنْفُقُ عَلى عَقْلِ عاقِلٍ لِعَدَمِ الحُجَّةِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْعاقِلِ مِنها في قَبُولِ قَوْلِ غَيْرِهِ، ثُمَّ أوْضَحَ ثالِثًا بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهُ إلّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَةِ العاطِلَةِ عَنِ البُرْهانِ الخالِيَةِ عَنْ أيْسَرِ شَيْءٍ مِمّا يَتَمَسَّكُ بِهِ العُقَلاءُ، ثُمَّ نَعى عَلَيْهِمْ رابِعًا ما وقَعُوا فِيهِ، ودَفَعَ لَوْمَهم لَهُ وأمَرَهم بِأنْ يَلُومُوا أنْفُسَهم، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ قَبِلُوا الباطِلَ البَحْتَ الَّذِي لا يَلْتَبِسُ بُطْلانُهُ عَلى مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ، ثُمَّ أوْضَحَ لَهم خامِسًا بِأنَّهُ لا نَصْرَ عِنْدَهُ ولا إغاثَةَ ولا يَسْتَطِيعُ لَهم نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْهم ضُرًّا، بَلْ هو مِثْلُهم في الوُقُوعِ في البَلِيَّةِ والعَجْزِ عَنِ الخُلُوصِ عَنْ هَذِهِ المِحْنَةِ ثُمَّ صَرَّحَ لَهم سادِسًا بِأنَّهُ قَدْ كَفَرَ بِما اعْتَقَدُوهُ فِيهِ وأثْبَتُوهُ لَهُ فَتَضاعَفَتْ عَلَيْهِمُ الحَسَراتُ وتَوالَتْ عَلَيْهِمُ المَصائِبُ، وإذا كانَ جُمْلَةُ ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مِن تَتِمَّةِ كَلامِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ فَهو نَوْعٌ سابِعٌ مِن كَلامِهِ الَّذِي خاطَبَهم بِهِ، فَأثْبَتَ لَهُمُ الظُّلْمَ، ثُمَّ ذَكَرَ ما هو جَزاؤُهم عَلَيْهِ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، لا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ ابْتِداءُ كَلامٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.