Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 14:1-5
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قالَ الفَرّاءُ: إذا ذُكِرَ فِعْلٌ وبَعْدَهُ فِعْلٌ آخَرُ فَإنْ لَمْ يَكُنِ النَّسَقُ مُشاكِلًا لِلْأوَّلِ فالرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ هو الوَجْهُ، فَيَكُونُ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم تِلْكَ الشَّرائِعَ بِاللُّغَةِ الَّتِي ألِفُوها وفَهِمُوها، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ المُضِلَّ والهادِيَ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والبَيانُ لا يُوجِبُ حُصُولَ الهِدايَةِ إلّا إذا جَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ واسِطَةً وسَبَبًا، وتَقْدِيمُ الإضْلالِ عَلى الهِدايَةِ لِأنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها، إذْ هو إبْقاءٌ عَلى الأصْلِ والهِدايَةُ إنْشاءُ ما لَمْ يَكُنْ وهو العَزِيزُ الَّذِي لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ الحَكِيمُ الَّذِي يُجْرِي أفْعالَهُ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ.
ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِن بِعْثَةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو إخْراجُ النّاسِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ الغَرَضَ مِن إرْسالِ الأنْبِياءِ لَمْ يَكُنْ إلّا ذَلِكَ، وخَصَّ مُوسى بِالذِّكْرِ لِأنَّ أُمَّتَهُ أكْثَرُ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا بِها.