Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 12:83-88
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ ما وقَعَ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الحُزْنِ العَظِيمِ المُفْضِي إلى ذَهابِ بَصَرِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا بِأنَّهُ إنَّما وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ يُوسُفَ حَيٌّ، فَخافَ عَلى دِينِهِ مَعَ كَوْنِهِ بِأرْضِ مِصْرَ وأهْلُها حِينَئِذٍ كَفّارٌ، وقِيلَ: إنَّ مُجَرَّدَ الحُزْنِ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ، وإنَّما المُحَرَّمُ ما يُفْضِي مِنهُ إلى الوَلَهِ وشَقِّ الثِّيابِ والتَّكَلُّمِ بِما لا يَنْبَغِي.
وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عِنْدَ مَوْتِ ولَدِهِ إبْراهِيمَ: تَدْمَعُ العَيْنُ، ويَحْزَنُ القَلْبُ، ولا نَقُولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنّا عَلَيْكَ يا إبْراهِيمُ لَمُحْزَنُونَ» .
ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَكْظُومٌ، فَإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الحُزْنِ مُمْسِكٌ لَهُ لا يَبُثُّهُ، ومِنهُ كَظْمُ الغَيْظِ وهو إخْفاؤُهُ، فالمَكْظُومُ المَسْدُودُ عَلَيْهِ طَرِيقُ حُزْنِهِ، مِن كَظَمَ السِّقاءَ: إذا سَدَّهُ عَلى ما فِيهِ، والكَظَمُ بِفَتْحِ الظّاءِ: مَخْرَجُ النَّفَسِ، يُقالُ أخَذَ بِأكْظامِهِ وقِيلَ: الكَظِيمُ بِمَعْنى الكاظِمِ: أيِ المُشْتَمِلِ عَلى حُزْنِهِ المُمْسِكِ لَهُ، ومِنهُ:
؎فَإنْ أكُ كاظِمًا لِمُصابِ ناسٍ ∗∗∗ فَإنِّي اليَوْمَ مُنْطَلِقٌ لِسانِي
ومِنهُ ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى كَظِيمٌ مَحْزُونٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ مَغْمُومٌ مَكْرُوبٌ.