Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 12:23-30
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَدْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُخْلِصًا مُسْتَخْلَصًا ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيْ تَسابَقا إلَيْهِ، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ وأُوصِلَ الفِعْلُ بِالمَفْعُولِ، أوْ ضُمِّنَ الفِعْلُ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كابْتَدَرا البابَ، وهَذا الكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، ووَجْهُ تَسابُقِهِما أنَّ يُوسُفَ يُرِيدُ الفِرارَ والخُرُوجَ مِنَ البابِ، وامْرَأةُ العَزِيزِ تُرِيدُ أنْ تَسْبِقَهُ إلَيْهِ لِتَمْنَعَهُ، ووَحَّدَ البابَ هُنا وجَمَعَهُ فِيما تَقَدَّمَ، لِأنَّ تَسابُقَهُما كانَ إلى البابِ الَّذِي يَخْلُصُ مِنهُ إلى خارِجِ الدّارِ ﴿وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ جَذَبَتْ قَمِيصَهُ مِن ورائِهِ فانْشَقَّ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ طُولًا، والقَطُّ بِالطّاءِ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقَعَ مِنها ذَلِكَ عِنْدَ أنْ فَرَّ يُوسُفُ لَمّا رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ فَأرادَتْ أنْ تَمْنَعَهُ مِنَ الخُرُوجِ بِجَذْبِها لِقَمِيصِهِ ﴿وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ أيْ وجَدا العَزِيزَ هُنالِكَ، وعَنى بِالسَّيِّدِ: الزَّوْجَ لِأنَّ القِبْطَ يُسَمِّونَ الزَّوْجَ سَيِّدًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سَيِّدَهُما، لِأنَّ مِلْكَهُ لِيُوسُفَ لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا فَلَمْ يَكُنْ سَيِّدًا لَهُ، وجُمْلَةُ ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ مِنهُما عِنْدَ أنْ ألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ، وما اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمُرادُ بِالسُّوءِ هُنا الزِّنا، قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ طَلَبًا مِنها لِلْحِيلَةِ ولِلسَّتْرِ عَلى نَفْسِها، فَنَسَبَتْ ما كانَ مِنها إلى يُوسُفَ: أيَّ جَزاءٍ يَسْتَحِقُّهُ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِ هَذا، ثُمَّ أجابَتْ عَنِ اسْتِفْهامِها بِقَوْلِها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ ما جَزاؤُهُ إلّا أنْ يُسْجَنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً: أيْ لَيْسَ جَزاؤُهُ إلّا السَّجْنَ أوِ العَذابَ الألِيمَ، قِيلَ والعَذابُ الألِيمُ هو الضَّرْبُ بِالسِّياطِ، والظّاهِرُ أنَّهُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ العَذابُ الألِيمُ مِن ضَرْبٍ أوْ غَيْرِهِ، وفي الإبْهامِ لِلْعَذابِ زِيادَةُ تَهْوِيلٍ.