Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 11:35-44
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
والِاسْتِثْناءُ، قالَ الزَّجّاجُ: هو مُنْقَطِعٌ: أيْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ فَهو يَعْصِمُهُ، فَيَكُونُ ﴿مَن رَحِمَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا عَلى أنْ يَكُونَ عاصِمَ بِمَعْنى مَعْصُومٍ: أيْ لا مَعْصُومَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا (p-٦٥٩)مَن رَحِمَهُ اللَّهُ: مِثْلَ ﴿ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعِ المَكارِمَ لا تَنْهَضْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي
أيْ المُطْعَمُ المَكْسُوُّ، واخْتارَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: العاصِمُ بِمَعْنى ذِي العِصْمَةِ، كَلابِنٍ وتامِرٍ، والتَّقْدِيرُ: لا عاصِمَ قَطُّ إلّا مَكانَ مَن رَحِمَ اللَّهُ وهو السَّفِينَةُ، وحِينَئِذٍ فَلا يُرَدُّ ما يُقالُ: إنَّ مَعْنى مَن رَحِمَ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ، ومَن رَحِمَهُ اللَّهُ هو مَعْصُومٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ عَنِ العاصِمِ ؟ لِأنَّ في كُلِّ وجْهٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ دَفْعًا لِلْإشْكالِ.
وقُرِئَ إلّا مَن رُحِمَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ﴾ أيْ حالَ بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ فَتَعَذَّرَ خَلاصُهُ مِنَ الغَرَقِ، وقِيلَ: بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ وبَيْنَ الجَبَلِ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ تَفَرُّعَ ﴿فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى الأوَّلِ لا عَلى الثّانِي، لِأنَّ الجَبَلَ لَيْسَ بِعاصِمٍ.