Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 11:29-34
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما أجابَ بِهِ نُوحٌ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيْ أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى بُرْهانٍ مِن رَبِّي في النُّبُوَّةِ يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها ويُوجِبُ عَلَيْكم قَبُولَها مَعَ كَوْنِ ما جَعَلْتُمُوهُ قادِحًا لَيْسَ بِقادِحٍ في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ المُساواةَ في صِفَةِ البَشَرِيَّةِ لا تَمْنَعُ المُفارَقَةَ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ، واتِّباعُ الأراذِلِ كَما تَزْعُمُونَ لَيْسَ مِمّا يَمْنَعُ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإنَّهم مِثْلُكم في البَشَرِيَّةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، فاتِّباعُهم لِي حُجَّةٌ عَلَيْكم لا لَكم، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِالبَيِّنَةِ المُعْجِزَةَ ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾ هي النُّبُوَّةُ، وقِيلَ الرَّحْمَةُ المُعْجِزَةُ، والبَيِّنَةُ النُّبُوَّةُ.
قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ هي البَيِّنَةُ نَفْسُها، والأوْلى تَفْسِيرُ الرَّحْمَةِ بِغَيْرِ ما فُسِّرَتْ بِهِ البَيِّنَةُ، والإفْرادُ في فَعَمِيَتْ عَلى إرادَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما، أوْ عَلى إرادَةِ البَيِّنَةِ، لِأنَّها هي الَّتِي تَظْهَرُ لِمَن تَفَكَّرَ وتَخْفى عَلى مَن لَمْ يَتَفَكَّرْ، ومَعْنى عَمِيَتْ خَفِيَتْ، وقِيلَ: الرَّحْمَةُ هي عَلى الخَلْقِ، وقِيلَ: هي الهِدايَةُ إلى مَعْرِفَةِ البُرْهانِ، وقِيلَ: الإيمانُ، يُقالُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا، وعَمِيَ عَلَيَّ كَذا: إذا لَمْ أفْهَمْهُ.
قِيلَ: وهو مِن بابِ القَلْبِ، لِأنَّ البَيِّنَةَ أوِ الرَّحْمَةَ لا تَعْمى وإنَّما يُعْمى عَنْها فَهو كَقَوْلِهِمْ: أدْخَلَتْ القَلَنْسُوَةُ رَأْسِي.