Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 10:59-64
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وفِي هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ ما يَصُكُّ مَسامِعَ المُتَصَدِّرِينَ لِلْإفْتاءِ لِعِبادِ اللَّهِ في شَرِيعَتِهِ، بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ والجَوازِ وعَدَمِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حُجَجَ اللَّهِ، ولا يُفْهَمُونَها ولا يَدْرُونَ ما هي، ومَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ الحِكايَةُ لِقَوْلِ قائِلٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ قَلَّدُوهُ في دِينِهِمْ، وجَعَلُوهُ شارِعًا مُسْتَقِلًّا، ما عَمِلَ بِهِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ فَهو المَعْمُولُ بِهِ عِنْدَهم، وما لَمْ يَبْلُغْهُ أوْ بَلَغَهُ ولَمْ يَفْهَمْهُ حَقَّ فَهْمِهِ، أوْ فَهِمَهُ وأخْطَأ الصَّوابَ في اجْتِهادِهِ وتَرْجِيحِهِ، فَهو في حُكْمِ المَنسُوخِ عِنْدَهُمُ المَرْفُوعِ حُكْمُهُ عَنِ العِبادِ، مَعَ كَوْنِ مَن قَلَّدُوهُ مُتَعَبَّدًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ كَما هم مُتَعَبَّدُونَ بِها ومَحْكُومًا عَلَيْهِ بِأحْكامِها كَما هو مَحْكُومٌ عَلَيْهِمْ بِها، وقَدِ اجْتَهَدَ رَأْيَهُ وأدّى ما عَلَيْهِ، وفازَ بِأجْرَيْنِ مَعَ الإصابَةِ وأجْرٍ مَعَ الخَطَأِ، إنَّما الشَّأْنُ في جَعْلِهِمْ لِرَأْيِهِ الَّذِي أخْطَأ فِيهِ شَرِيعَةً مُسْتَقِلَّةً، ودَلِيلًا مَعْمُولًا بِهِ، وقَدْ أخْطَئُوا في هَذا خَطَأً بَيِّنًا، وغَلَطُوا غَلَطًا فاحِشًا، فَإنَّ التَّرْخِيصَ لِلْمُجْتَهِدِ في اجْتِهادِ رَأْيِهِ يَخُصُّهُ وحْدَهُ، ولا قائِلَ مِن أهْلِ الإسْلامِ المُعْتَدِّ بِأقْوالِهِمْ أنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أنْ يَعْمَلَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ واقْتِداءً بِهِ، وما جاءَ بِهِ المُقَلِّدَةُ في تَقَوُّمِ هَذا الباطِلِ، فَهو مِنَ الجَهْلِ العاطِلِ، اللَّهُمَّ كَما رَزَقَتْنا مِنَ العِلْمِ ما نُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فارْزُقْنا مِنَ الإنْصافِ ما نَظْفَرُ عِنْدَهُ بِما هو الحَقُّ عِنْدَكَ يا واهِبَ الخَيْرِ.