Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 10:42-49
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وفِي هَذِهِ أعْظَمُ واعِظٍ وأبْلَغُ زاجِرٍ لِمَن صارَ دَيْدَنُهُ وهِجِّيراهُ المُناداةَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - والِاسْتِغاثَةَ بِهِ عِنْدَ نُزُولِ النَّوازِلِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِها إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وكَذَلِكَ مَن صارَ يَطْلُبُ مِنَ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - ما لا يَقْدِرُ عَلى تَحْصِيلِهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، فَإنَّ هَذا مَقامُ رَبِّ العالَمِينَ الَّذِي خَلَقَ الأنْبِياءَ والصّالِحِينَ، وجَمِيعَ المَخْلُوقِينَ، ورَزَقَهم وأحْياهم ويُمِيتُهم، فَكَيْفَ يَطْلُبُ مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، أوْ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ صالِحٍ مِنَ الصّالِحِينَ، ما هو عاجِزٌ عَنْهُ غَيْرُ قادِرٍ عَلَيْهِ، ويَتْرُكُ الطَّلَبَ لِرَبِّ الأرْبابِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الخالِقِ الرّازِقِ المُعْطِي المانِعِ ؟ وحَسْبُكَ بِما في هَذِهِ الآيَةِ مَوْعِظَةً، فَإنَّ هَذا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ وخاتَمُ الرُّسُلِ، يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِأنْ يَقُولَ لِعِبادِهِ: لا أمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا ولا نَفْعًا، فَكَيْفَ يَمْلِكُهُ لِغَيْرِهِ، وكَيْفَ يَمْلِكُهُ غَيْرُهُ مِمَّنْ رُتْبَتُهُ دُونَ رُتْبَتِهِ، ومَنزِلَتُهُ لا تَبْلُغُ إلى مَنزِلَتِهِ، لِنَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، فَيا عَجَبًا لِقَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى قُبُورِ الأمْواتِ الَّذِينَ قَدْ صارُوا تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى، ويَطْلُبُونَ مِنهم مِنَ الحَوائِجِ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ؟ كَيْفَ لا يَتَيَقَّظُونَ لِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ ولا يَتَنَبَّهُونَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المُخالَفَةِ لِمَعْنى لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ومَدْلُولِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ؟ وأعْجَبُ مِن هَذا اطِّلاعُ أهْلِ العِلْمِ عَلى ما يَقَعُ مِن هَؤُلاءِ ولا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَحُولُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الجاهِلِيَّةِ الأُولى، بَلْ إلى ما هو أشَدُّ مِنها، فَإنَّ أُولَئِكَ يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو الخالِقُ الرّازِقُ المُحْيِي المُمِيتُ الضّارُّ النّافِعُ، وإنَّما يَجْعَلُونَ أصْنامَهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ ومُقَرِّبِينَ لَهم إلَيْهِ، وهَؤُلاءِ يَجْعَلُونَ لَهم قُدْرَةً عَلى الضَّرِّ والنَّفْعِ، ويُنادُونَهم تارَةً عَلى الِاسْتِقْلالِ، وتارَةً مَعَ ذِي الجَلالِ، وكَفاكَ مِن شَرِّ سَماعِهِ، واللَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ ومُطَهِّرٌ شَرِيعَتَهُ، مِن أوَضارِ الشِّرْكِ وأدْناسِ الكُفْرِ، ولَقَدْ تَوَصَّلَ الشَّيْطانُ - أخْزاهُ اللَّهُ - بِهَذِهِ الذَّرِيعَةِ إلى ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُهُ ويَنْثَلِجُ بِهِ صَدْرُهُ، مِن كُفْرِ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ (p-٦٢٨)المُبارَكَةِ ﴿وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .