Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 9:3-4
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
والخِطابُ في عاهَدْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وقَدْ كانُوا عاهِدُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرَهم بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ ومِنَ الرَّسُولِ ﷺ، والمَعْنى: الإخْبارُ لِلْمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَدْ بَرِئا مِن تِلْكَ المُعاهَدَةِ بِسَبَبِ ما وقَعَ مِنَ الكُفّارِ مِنَ النَّقْضِ، فَصارَ النَّبْذُ إلَيْهِمْ بِعَهْدِهِمْ واجِبًا عَلى المُعاهِدِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومَعْنى بَراءَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: وُقُوعُ الإذْنِ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّبْذِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِعَهْدِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وُقُوعِ النَّقْضِ مِنهم، وفي ذَلِكَ مِنَ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ البَراءَةِ والتَّهْوِيلِ لَها والتَّسْجِيلِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالذُّلِّ والهَوانِ ما لا يَخْفى.
قَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾ هَذا أمْرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِالسِّياحَةِ بَعْدَ الإخْبارِ بِتِلْكَ البَراءَةِ، والسِّياحَةُ: السَّيْرُ، يُقالُ: ساحَ فُلانٌ في الأرْضِ يَسِيحُ سِياحَةً وسُيُوحًا وسَيَحانًا، ومِنهُ سَيَحَ الماءُ في الأرْضِ وسَيَحَ الخَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎لَوْ خِفْتُ هَذا مِنكَ ما نِلْتَنِي حَتّى تَرى خَيْلًا أمامِي تَسِيحُ
ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ أذِنَ بِالنَّبْذِ إلى المُشْرِكِينَ بِعَهْدِهِمْ، أباحَ لِلْمُشْرِكِينَ الضَّرْبَ في الأرْضِ والذَّهابَ إلى حَيْثُ يُرِيدُونَ والِاسْتِعْدادَ لِلْحَرْبِ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهُرَ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ الأمْرِ بِالسِّياحَةِ تَكْلِيفَهم بِها.