Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 8:41-42
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قِيلَ: وفائِدَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن كَوْنِهِمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا وعَدُوُّهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى، والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنهُمُ الدَّلالَةُ عَلى قُوَّةِ شَأْنِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ العُدْوَةَ القُصْوى الَّتِي أناخَ بِها المُشْرِكُونَ كانَ فِيها الماءُ، وكانَتْ أرْضًا لا يابِسَ بِها، وأمّا العُدْوَةُ الدُّنْيا فَكانَتْ رَخْوَةً تَسُوخُ فِيها الأقْدامُ ولا ماءَ بِها، وكانَتِ العِيرُ وراءَ ظَهْرِ العَدُوِّ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فامْتَنَّ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ بِنُصْرَتِهِمْ عَلَيْهِمْ والحالُ هَذِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ﴾ أيْ لَوْ تَواعَدْتُمْ أنْتُمْ والمُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَلى أنْ تَلْتَقُوا في هَذا المَوْضِعِ لِلْقِتالِ لَخالَفَ بَعْضُكم بَعْضًا، فَثَبَّطَكم قِلَّتُكم وكَثْرَتُهم عَنِ الوَفاءِ بِالمَوْعِدِ وثَبَّطَهم ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَهابَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَكم في هَذا المَوْطِنِ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ أيْ حَقِيقًا بِأنْ يَفْعَلَ مِن نَصْرِ أوْلِيائِهِ وخِذْلانِ أعْدائِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وإذْلالِ الكُفْرِ، فَأخْرَجَ المُسْلِمِينَ لِأخْذِ العِيرِ وغَنِيمَتِها عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، وأخْرَجَ الكافِرِينَ لِلْمُدافِعَةِ عَنْها، ولَمْ يَكُنْ في حِسابِ الطّائِفَتَيْنِ أنْ يَقَعَ هَذا الِاتِّفاقُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، واللّامُ في ﴿لِيَقْضِيَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: جَمَعَهم لِيَقْضِيَ.