Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 7:152-154
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
الغَضَبُ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ في الدُّنْيا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وما سَيَنْزِلُ بِهِمْ في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ، والذِّلَّةُ هي الَّتِي ضَرَبَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ( البَقَرَةِ: ٦١ )، وقِيلَ: هي إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ، وقِيلَ: هي الجِزْيَةُ، وفِيهِ نَظَرٌ لِأنَّها لَمْ تُؤْخَذْ مِنهم، وإنَّما أُخِذَتْ مِن ذَرارِيهِمْ.
والأوْلى أنْ يُقَيَّدَ الغَضَبُ والذِّلَّةُ بِالدُّنْيا لِقَوْلِهِ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ وإنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالمُتَّخِذِينَ لِلْعِجْلِ إلَهًا لا لِمَن بَعْدَهم مِن ذَرارِيهِمْ ومُجَرَّدُ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ هو غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وكَذَلِكَ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ هو مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِهِ يَصِيرُونَ أذِلّاءَ، وأمّا ما نالَ ذَرارِيَهم مِنَ الذِّلَّةِ فَلا يَصِحُّ تَفْسِيرُ ما في الآيَةِ بِهِ إلّا إذا تَعَذَّرَ حَمْلُ الآيَةِ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ، وهو لَمْ يَتَعَذَّرْ هُنا ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ما فَعَلْنا بِهَؤُلاءِ نَفْعَلُ بِالمُفْتَرِينَ، والِافْتِراءُ الكَذِبُ، فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ سَيَنالُهُ مِنَ اللَّهِ غَضَبٌ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِ ما عُوقِبَ بِهِ هَؤُلاءِ، بَلِ المُرادُ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن غَضَبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ فِيهِ ذِلَّةً بِأيِّ نَوْعٍ كانَ.