Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 6:125-128
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ المَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ لُغَةُ العَرَبِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّهم يَخْلُدُونَ في النّارِ في كُلِّ الأوْقاتِ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي يَشاءُ اللَّهُ عَدَمَ بَقائِهِمْ فِيها.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ أيْ خالِدِينَ في النّارِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في الحِسابِ، وهو تَعَسُّفٌ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِنَ الخُلُودِ الدّائِمِ ولا يَصْدُقُ عَلى مَن لَمْ يَدْخُلِ النّارَ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى النّارِ: أيْ إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن تَعْذِيبِهِمْ بِغَيْرِها في بَعْضِ الأوْقاتِ كالزَّمْهَرِيرِ، وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِأهْلِ الإيمانِ، و" ما " بِمَعْنى مِن أيْ: إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إيمانَهُ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ النّارَ، وقِيلَ: المَعْنى: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ.
وكُلُّ هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي ألْجَأ إلَيْها ما ورَدَ في الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِن خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ أبَدًا، ولَكِنْ لا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ لا سِيَّما بَعْدَ وُرُودِهِ في القُرْآنِ مُكَرَّرًا كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ هُودٍ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولَعَلَّهُ يَأْتِي هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ زِيادَةُ تَحْقِيقٍ.