Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 6:91-94
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى في قَراطِيسَ تَضَعُونَهُ فِيها لِيَتِمَّ لَكم ما تُرِيدُونَهُ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ وكَتْمِ صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - المَذْكُورَةِ فِيهِ، وهَذا ذَمٌّ لَهم، والضَّمِيرُ في ﴿تُبْدُونَها﴾ راجِعٌ إلى القَراطِيسِ، وفي ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ راجِعٌ إلى الكِتابِ، وجُمْلَةُ تَجْعَلُونَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وجُمْلَةُ تُبْدُونَها صِفَةٌ لِقَراطِيسَ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تُبْدُونَها: أيْ وتُخْفُونَ كَثِيرًا مِنها، والخِطابُ في ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم﴾ لِلْيَهُودِ: أيْ والحالُ أنَّكم قَدْ عُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةً مُقَرِّرَةً لِما قَبْلَها، والَّذِي عَلِمُوهُ هو الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِها، فَإنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى ما لَمْ يَعْلَمُوهُ مِن كُتُبِهِمْ ولا عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِمْ ولا عَلِمَهُ آباؤُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما في ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِنَ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ المَنِّ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ التَّوْراةِ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ ما عِبارَةً عَمّا عَلِمُوهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ -، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ الإلْزامِ الَّذِي ألْزَمَهم بِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ أنْزَلَهُ اللَّهُ ﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ أيْ ذَرْهم في باطِلِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ يَلْعَبُونَ: أيْ يَصْنَعُونَ صُنْعَ الصِّبْيانِ الَّذِينَ يَلْعَبُونَ.