Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 5:82-86
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ فَما حالُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ آمَنّا بِهَذا الكِتابِ النّازِلِ مِن عِنْدِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وبِمَن أنْزَلْتَهُ عَلَيْهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ وأنَّهُ رَسُولُكَ إلى النّاسِ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِبْعادِ ولَنا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولا نُؤْمِنُ في مَحَلِّ نَصْبٍ في الحالِ، والتَّقْدِيرُ؛ أيْ: شَيْءٌ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا انْتِفاءَ الإيمانِ مِنهم مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ، وهو الطَّمَعُ في إنْعامِ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهانِ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، والواوَ في ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ لِلْحالِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ ؟ فالحالُ الأُولى والثّانِيَةُ صاحِبُهُما الضَّمِيرُ في لَنا وعامِلُهُما الفِعْلُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: حَصَلَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ الثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ في نُؤْمِنُ والتَّقْدِيرُ: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ إلَخْ أثابَهم عَلى هَذا القَوْلِ مُخْلِصِينَ لَهُ مُعْتَقِدِينِ لِمَضْمُونِهِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ كُفْرٌ، فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. والجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ، ويُقالُ جَحَمَ فُلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ إيقادَها، ويُقالُ أيْضًا لِعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ اتِّقادِها. قالَ الشّاعِرُ: