Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 5:68-76
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ.