Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 5:45-50
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَوْلُهُ: (p-٣٧٧)﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلا تَتَبُّعٍ عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى لا تَعْدِلُ أوْ لا تَنْحَرِفُ ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ مُتَّبِعًا لِأهْوائِهِمْ، وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عادِلًا أوْ مُنْحَرِفًا عَنِ الحَقِّ.
وفِيهِ النَّهْيُ لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ أنْ يَتَّبِعَ أهْوِيَةَ أهْلِ الكِتابِ ويَعْدِلَ عَنِ الحَقِّ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنَّ كُلَّ مِلَّةٍ مِنَ المِلَلِ تَهْوى أنْ يَكُونَ الأمْرُ عَلى ما هم عَلَيْهِ وما أدْرَكُوا عَلَيْهِ سَلَفَهم، وإنْ كانَ باطِلًا مَنسُوخًا أوْ مُحَرَّفًا عَنِ الحُكْمِ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلى الأنْبِياءِ، كَما وقَعَ في الرَّجْمِ ونَحْوِهِ مِمّا حَرَّفُوهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ الشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ في الأصْلِ: الطَّرِيقَةُ الظّاهِرَةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِها إلى الماءِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ فِيما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ مِنَ الدِّينِ، والمِنهاجُ: الطَّرِيقَةُ الواضِحَةُ البَيِّنَةُ، وقالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ الشَّرِيعَةُ: ابْتِداءُ الطَّرِيقِ، والمِنهاجُ الطَّرِيقُ المُسْتَمِرُّ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّهُ جَعَلَ التَّوْراةَ لِأهْلِها، والإنْجِيلَ لِأهْلِهِ، والقُرْآنَ لِأهْلِهِ، وهَذا قَبْلَ نَسْخِ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ بِالقُرْآنِ، وأمّا بَعْدَهُ فَلا شِرْعَةً ولا مِنهاجَ إلّا ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.