Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 4:137-141
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقِيلَ: المَعْنى أنَّهم قالُوا لِلْكُفّارِ الَّذِينَ ظَفِرُوا بِالمُسْلِمِينَ: ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم حَتّى هابَكُمُ المُسْلِمُونَ وخَذَلْناهم عَنْكم ؟ والأوَّلُ أوْلى، فَإنَّ مَعْنى الِاسْتِحْواذِ: الغَلَبُ، يُقالُ اسْتَحْوَذَ عَلى كَذا؛ أيْ: غَلَبَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾ ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: ألَمْ نَغْلِبْكم حَتّى هابَكُمُ المُسْلِمُونَ، ولَكِنَّ المَعْنى: ألَمْ نَغْلِبْكم يا مَعْشَرَ الكافِرِينَ ونَتَمَكَّنْ مِنكم فَتَرَكْناكم وأبْقَيْنا عَلَيْكم حَتّى حَصَلَ لَكم هَذا الظَّفَرَ بِالمُسْلِمِينَ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بَتَخْذِيلِهِمْ وتَثْبِيطِهِمْ عَنْكم حَتّى ضَعُفَتْ قُلُوبُهم عَنِ الدَّفْعِ لَكم وعَجَزُوا عَنِ الِانْتِصافِ مِنكم، والمُرادُ أنَّهم يَمِيلُونَ مَعَ مَن لَهُ الغَلَبُ والظَّفَرُ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ويُظْهِرُونَ لَهم أنَّهم كانُوا مَعَهم عَلى الطّائِفَةِ المَغْلُوبَةِ، وهَذا شَأْنُ المُنافِقِينَ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ، وشَأْنُ مَن حَذا حَذْوَهم مِن أهْلِ الإسْلامِ مِنَ التَّظَهُّرِ لِكُلِّ طائِفَةٍ بِأنَّهُ مَعَها عَلى الأُخْرى، والمَيْلُ إلى مَن مَعَهُ الحَظُّ مِنَ الدُّنْيا في مالٍ أوْ جاهٍ فَيَلْقاهُ بِالتَّمَلُّقِ والتَّوَدُّدِ والخُضُوعِ والذِّلَّةِ، ويَلْقى مَن لا حَظَّ لَهُ مِنَ الدُّنْيا بِالشِّدَّةِ والغِلْظَةِ وسُوءِ الخُلُقِ ويَزْدَرِي بِهِ ويُكافِحُهُ بِكُلِّ مَكْرُوهٍ، فَقَبَّحَ اللَّهُ أخْلاقَ أهْلِ النِّفاقِ وأبْعَدَها.