Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 4:92-93
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنهُ مَقْبُولَةٌ، واسْتَدَلُّوا بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] . وقَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قالُوا أيْضًا: والجَمْعُ مُمْكِنٌ بَيْنَ آيَةِ النِّساءِ هَذِهِ وآيَةِ الفُرْقانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُما: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ إلّا مَن تابَ، لاسِيَّما وقَدِ اتَّحَدَ السَّبَبُ وهو القَتْلُ، والمُوجَبُ وهو التَّوَعُّدُ بِالعِقابِ. واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قالَ «بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، ثُمَّ قالَ: فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهو إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ عَفا عَنْهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ» وبِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ - في صَحِيحِهِ - وغَيْرُهُ في الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والشّافِعِيُّ إلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا داخِلٌ تَحْتَ المَشِيئَةِ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ. وقَدْ أوْضَحْتُ في شَرْحِي عَلى المُنْتَقى مُتَمَسَّكَ كُلِّ فَرِيقٍ. والحَقُّ أنَّ بابَ التَّوْبَةِ لَمْ يُغْلَقْ دُونَ كُلِّ عاصٍ، بَلْ هو (p-٣٢٠)مَفْتُوحٌ لِكُلِّ مَن قَصَدَهُ ورامَ الدُّخُولَ مِنهُ، وإذا كانَ الشِّرْكُ وهو أعْظَمُ الذُّنُوبِ وأشَدُّها تَمْحُوهُ التَّوْبَةُ إلى اللَّهِ، ويُقْبَلُ مَن صاحِبِهِ الخُرُوجُ مِنهُ والدُّخُولُ في بابِ التَّوْبَةِ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَتْلُ عَمْدًا، لَكِنْ لا بُدَّ في تَوْبَةِ قاتِلِ العَمْدِ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالقَتْلِ وتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْقِصاصِ إنْ كانَ واجِبًا، أوْ تَسْلِيمِ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَكُنِ القِصاصُ واجِبًا وكانَ القاتِلُ غَنِيًّا مُتَمَكِّنًا مِن تَسْلِيمِها أوْ بَعْضِها، وأمّا مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنَ القاتِلِ عَمْدًا وعَزْمُهُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى قَتْلِ أحَدٍ مِن دُونِ اعْتِرافٍ ولا تَسْلِيمِ نَفْسٍ فَنَحْنُ لا نَقْطَعُ بِقَبُولِها، واللَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، هو الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِهِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.