Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 4:43
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَعَلَ الخِطابَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقْرَبُونَ الصَّلاةَ حالَ السُّكْرِ، وأمّا الكُفّارُ فَهم لا يَقْرَبُونَها سُكارى ولا غَيْرَ سُكارى.
قَوْلُهُ: لا تَقْرَبُوا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: إذا قِيلَ: لا تَقْرَبْ بِفَتْحِ الرّاءِ مَعْناهُ لا تَتَلَبَّسْ بِالفِعْلِ، وإذا كانَ بِضَمِّ الرّاءِ كانَ مَعْناهُ: لا تَدْنُ مِنهُ. والمُرادُ هُنا: النَّهْيُ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالصَّلاةِ وغِشْيانِها. وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مَواضِعُ الصَّلاةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ: وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ الصَّلاةُ ومَواضِعُها مَعًا؛ لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ لا يَأْتُونَ المَسْجِدَ إلّا لِلصَّلاةِ، ولا يُصَلُّونَ إلّا مُجْتَمِعِينَ، فَكانا مُتَلازِمَيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وسُكارى جَمْعُ سَكْرانَ، مِثْلُ كُسالى جَمْعُ كَسْلانَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ " سَكْرى " بِفَتْحِ السِّينِ، وهو تَكْسِيرُ سَكْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " سُكْرى " كَحُبْلى، صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ. وقَدْ ذَهَبَ العُلَماءُ كافَّةً إلى أنَّ المُرادَ بِالسُّكْرِ هُنا سُكْرُ الخَمْرِ، إلّا الضَّحّاكُ فَإنَّهُ قالَ: المُرادُ سُكْرُ النَّوْمِ. وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُخالِفُ الصَّوابَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ.