cahtCréer un compte gratuit

Tafsir

Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 4:31

Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani

قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ؛ أيْ: نُدْخِلُهُ نارًا عَظِيمَةً وكانَ ذَلِكَ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقُرِئَ: " نَصْلِيهِ " بِفَتْحِ النُّونِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأعْمَشِ والنَّخَعِيِّ، وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَنقُولٌ مِن صَلى، ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ أيْ: إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ اللَّهُ عَنْها ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: ذُنُوبَكُمُ الَّتِي هي صَغائِرُ، وحَمْلُ السَّيِّئاتِ عَلى الصَّغائِرِ هُنا مُتَعَيِّنٌ لِذِكْرِ الكَبائِرِ قَبْلَها، وجَعْلِ اجْتِنابِها شَرْطًا لِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ الأُصُولِ في تَحْقِيقِ مَعْنى الكَبائِرِ ثُمَّ في عَدَدِها، فَأمّا في تَحْقِيقِها فَقِيلَ: إنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى ما هو أكْبَرُ مِنها، كَما يُقالُ: الزِّنا صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى الكُفْرِ، والقُبْلَةُ المُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى الزِّنا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الِاسْفَرايِينِيِّ والجُوَيْنِيِّ والقُشَيْرِيِّ وغَيْرِهِمْ قالُوا: والمُرادُ بِالكَبائِرِ الَّتِي يَكُونُ اجْتِنابُها سَبَبًا لِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ هي الشِّرْكُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ ( إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) وعَلى قِراءَةِ الجَمْعِ، فالمُرادُ أجْناسُ الكُفْرِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قالُوا: فَهَذِهِ الآيَةُ مُقَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَبِيرَةُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنارٍ أوْ غَضَبٍ أوْ لَعْنَةٍ أوْ عَذابٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الكَبائِرُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى ثَلاثٍ وثَلاثِينَ آيَةً. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كُلُّ ذَنْبٍ نَسَبَهُ اللَّهُ إلى النّارِ فَهو كَبِيرَةٌ. وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ: الكَبائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ رَتَّبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الحَدَّ أوْ صَرَّحَ بِالوَعِيدِ فِيهِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأمّا الِاخْتِلافُ في عَدَدِها فَقِيلَ: إنَّها سَبْعٌ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، ولَكِنَّ بَعْضَها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، وسَيَأْتِي ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ.

Lire dans la bibliothèque caht

caht retrouve la source exacte d'un verset, d'un hadith ou d'un passage des savants. Gratuit, sans publicité.