Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 4:23-30
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، أنَّ النِّكاحَ بِمِلْكِ اليَمِينِ في هَؤُلاءِ كُلِّهِنَّ سَواءٌ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قِياسًا ونَظَرًا الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وأُمَّهاتِ النِّساءِ والرَّبائِبِ، وكَذا هو عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وهي الحُجَّةُ المَحْجُوجُ بِها مَن خالَفَها وشَذَّ عَنْها، واللَّهُ المَحْمُودُ انْتَهى. وأقُولُ: هاهُنا إشْكالٌ، وهو أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ النِّكاحَ يُقالُ عَلى العَقْدِ فَقَطْ، وعَلى الوَطْءِ فَقَطْ، والخِلافُ في كَوْنِ أحَدِهِما حَقِيقَةً والآخَرِ مَجازًا، أوْ كَوْنِهِما حَقِيقَتَيْنِ مَعْرُوفٌ، فَإنْ حَمْلَنا هَذا التَّحْرِيمَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى آخِرِها، عَلى أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ العَقْدِ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ المَمْلُوكَتَيْنِ في الوَطْءِ بِالمِلْكِ، وما وقَعَ مِن إجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم﴾ إلى آخِرِهِ، يَسْتَوِي فِيهِ الحَرائِرُ والإماءُ، والعَقْدُ والمِلْكُ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَحَلَّ الخِلافِ، وهو الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ مِثْلُ مَحَلِّ الإجْماعِ، ومُجَرَّدُ القِياسِ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ لِما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ النُّقُوضِ، وإنَّ حَمْلَنا التَّحْرِيمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ عَلى الوَطْءِ فَقَطْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لِلْإجْماعِ عَلى تَحْرِيمِ عَقْدِ النِّكاحِ عَلى جَمِيعِ المَذْكُوراتِ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها، فَلَمْ يَبْقَ إلّا حَمْلُ التَّحْرِيمِ في الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ عَقْدِ النِّكاحِ، فَيَحْتاجُ القائِلُ بِتَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِالمِلْكِ إلى دَلِيلٍ ولا يَنْفَعُهُ أنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الجُمْهُورِ، فالحَقُّ لا يُعْرَفُ بِالرِّجالِ، فَإنْ جاءَ بِهِ خالِصًا عَنْ شَوْبِ الكَدَرِ فَبِها ونِعْمَتْ، وإلّا كانَ الأصْلُ الحِلُّ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ النِّكاحِ في الآيَةِ عَلى مَعْنَيَيْهِ جَمِيعًا - أعْنِي العَقْدَ والوَطْءَ - لِأنَّهُ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وهو مَمْنُوعٌ، أوْ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ مَعْنَيَيِ المُشْتَرَكِ، وفِيهِ الخِلافُ المَعْرُوفُ في الأُصُولِ فَتَدَبَّرْ هَذا.