Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:156-164
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ لِكَوْنِهِمُ المُنْتَفِعِينَ بِبَعْثَتِهِ. ومَعْنى مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ عَرَبِيٌّ مِثْلُهم، وقِيلَ: بَشَرٌ مِثْلُهم، ووَجْهُ المِنَّةِ عَلى الأوَّلِ: أنَّهم يَفْقَهُونَ عَنْهُ ويَفْهَمُونَ كَلامَهُ ولا يَحْتاجُونَ إلى تُرْجُمانٍ ومَعْناها عَلى الثّانِي: أنَّهم يَأْنَسُونَ بِهِ بِجامِعِ البَشَرِيَّةِ، ولَوْ كانَ مَلِكًا لَمْ يَحْصُلْ كَمالُ الأُنْسِ بِهِ لِاخْتِلافِ الجِنْسِيَّةِ، وقُرِئَ ( مِن أنَفُسِهِمْ ) بِفَتْحِ الفاءِ؛ أيْ: مِن أشْرَفِهِمْ؛ لِأنَّهُ مِن بَنِي هاشِمٍ، وبَنُو هاشِمٍ أفْضَلُ قُرَيْشٍ، وقُرَيْشٌ أفْضَلُ العَرَبِ، والعَرَبُ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِمْ، ولَعَلَّ وجْهَ الِامْتِنانِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّهُ لَمّا كانَ مِن أشْرَفِهِمْ كانُوا أطْوَعَ لَهُ وأقْرَبَ إلى تَصْدِيقِهِ، ولا بُدَّ مِن تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالعَرَبِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَلا حاجَةَ إلى هَذا التَّخْصِيصِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِفَتْحِ الفاءِ لا حاجَةَ إلى التَّخْصِيصِ؛ لِأنَّبَنِي هاشِمٍ هم أنْفَسُ العَرَبِ والعَجَمِ في شَرَفِ الأصْلِ وكَرَمِ النِّجارِ، ورِفاعَةِ المَحْتِدِ.
ويَدُلُّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .