Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:137-148
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وقَوْلُهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ . سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ ما سَيَأْتِي مِن أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أُصِيبَ في يَوْمِ أُحُدٍ صاحَ الشَّيْطانُ قائِلًا: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَفَشِلَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ حَتّى قالَ قائِلٌ: قَدْ أُصِيبَ مُحَمَّدٌ فَأعْطُوا بِأيْدِيكم فَإنَّما هم إخْوانُكم، وقالَ آخَرُ: لَوْ كانَ رَسُولًا ما قُتِلَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وأخْبَرَهم بِأنَّهُ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وسَيَخْلُو كَما خَلَوْا، فَجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ. والقَصْرُ قَصْرُ إفْرادٍ كَأنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا هَلاكَهُ فَأثْبَتُوا لَهُ صِفَتَيْنِ: الرِّسالَةُ، وكَوْنُهُ لا يَهْلَكُ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهُ رَسُولٌ لا يَتَجاوَزُ ذَلِكَ إلى صِفَةِ عَدَمِ الهَلاكِ، وقِيلَ: هو قَصْرُ قَلْبٍ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ رُسُلٌ.
ثُمَّ أنْكَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكم﴾ أيْ: كَيْفَ تَرْتَدُّونَ وتَتْرُكُونَ دِينَهُ إذا ماتَ أوْ قُتِلَ مَعَ عِلْمِكم أنَّ الرُّسُلَ تَخْلُو ويَتَمَسَّكُ أتْباعُهم بِدِينِهِمْ وإنْ فُقِدُوا بِمَوْتٍ أوْ قَتْلٍ، وقِيلَ: الإنْكارُ لِجَعْلِهِمْ خُلُوَّ الرُّسُلِ قَبْلَهُ سَبَبًا لِانْقِلابِهِمْ بِمَوْتِهِ أوْ قَتْلِهِ، وإنَّما ذُكِرَ القَتْلُ مَعَ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يُقْتَلُ لِكَوْنِهِ مُجَوَّزًا عِنْدَ المُخاطَبِينَ.