Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:96-97
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
ومِن جُمْلَةِ ما يَدْخُلُ في الِاسْتِطاعَةِ أنْ يَكُونَ الحاجُّ صَحِيحَ البَدَنِ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُهُ الرُّكُوبُ، فَلَوْ كانَ زَمِنًا بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى المَشْيِ ولا عَلى الرُّكُوبِ فَهَذا وإنْ وجَدَ الزّادَ والرّاحِلَةَ فَهو لَمْ يَسْتَطِعِ السَّبِيلَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ (p-٢٣٣)قِيلَ: إنَّهُ عَبَّرَ بِلَفْظِ الكُفْرِ عَنْ تَرْكِ الحَجِّ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِهِ وتَشْدِيدًا عَلى تارِكِهِ، وقِيلَ المَعْنى: ومَن كَفَرَ بِفَرْضِ الحَجِّ ولَمْ يَرَهُ واجِبًا، وقِيلَ: إنَّ مَن تَرَكَ الحَجَّ وهو قادِرٌ عَلَيْهِ فَهو كافِرٌ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى مَقْتِ تارِكِ الحَجِّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ وخِذْلانِهِ وبُعْدِهِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ ما يَتَعاظَمُهُ سامِعُهُ، ويَرْجُفُ لَهُ قَلْبُهُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما شَرَعَ لِعِبادِهِ هَذِهِ الشَّرائِعَ لِنَفْعِهِمْ ومَصْلَحَتِهِمْ، وهو تَعالى شَأْنُهُ وتَقَدَّسَ سُلْطانُهُ غَنِيٌّ لا تَعُودُ إلَيْهِ طاعاتُ عِبادِهِ بِأسْرِها بِنَفْعٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَتِ البُيُوتُ قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ كانَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِعِبادَةِ اللَّهِ.