Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:38-44
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً.