Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:28-30
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: اذْكُرْ، و" مُحْضَرًا " حالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما الأُولى؛ أيْ: وتَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا.
فَحَذَفَ مُحْضَرًا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وهَذا إذا كانَ تَجِدُ مِن وِجْدانِ الضّالَّةِ، وأمّا إذا كانَ مِن وجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ كانَ مُحْضَرًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ويَكُونُ ما في ما عَمِلَتْ مُبْتَدَأٌ ويَوَدُّ خَبَرُهُ.
والأمَدُ: الغايَةُ، وجَمْعُهُ آمادٌ؛ أيْ: تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ أمَدًا بَعِيدًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَ تَجِدُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: تَوَدُّ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ وبَيْنَهُ لِلْيَوْمِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ ولِلِاسْتِحْضارِ لِيَكُونَ هَذا التَّهْدِيدُ العَظِيمُ عَلى ذِكْرٍ مِنهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا التَّحْذِيرَ الشَّدِيدَ مُقْتَرِنٌ بِالرَّأْفَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ لُطْفًا بِهِمْ. وما أحْسَنَ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تَمُوتُ وتُبْعَثُ وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ فَقالَ: أتُهَدِّدُونَنِي بِمَن لَمْ أرَ الخَيْرَ قَطُّ إلّا مِنهُ.