Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:28-30
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
وخالَفَ في ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ، فَقالُوا: لا تَقِيَّةَ بَعْدَ أنْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جائِزٌ في المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وفي غَيْرِها. وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ إلى مَنعِ ذَلِكَ إلّا مُشاكَلَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إيّاهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِهَذا وصارَ المُسْتَعْمَلَ.
قالَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ فَمَعْناهُ تَعْلَمُ ما عِنْدِي وما في حَقِيقَتِي ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ ولا ما في حَقِيقَتِكَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَهُ مِثْلَ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَجُعِلَتِ النَّفْسُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وتَخْوِيفٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لِعِقابِهِ بِمُوالاةِ أعْدائِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ الآيَةَ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يُضْمِرُهُ العَبْدُ ويُخْفِيهِ أوْ يُظْهِرُهُ ويُبْدِيهِ فَهو مَعْلُومٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِمّا هو أعَمُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُخْفُونَها أوْ يُبْدُونَها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما هو أخَصُّ مِن ذَلِكَ.