Tafsir
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) — 3:7-9
Fath al-Qadir (Tafsir al-Shawkani) · Muhammad ibn 'Ali al-Shawkani
واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُحْكَمٌ ولَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] والمُرادُ بِالمُحْكَمِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ صَحِيحُ الألْفاظِ قَوِيمُ المَعانِي فائِقٌ في البَلاغَةِ والفَصاحَةِ عَلى كُلِّ كَلامٍ. ووَرَدَ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُتَشابِهٌ لَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] والمُرادُ بِالمُتَشابِهِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الصِّحَّةِ والفَصاحَةِ والحُسْنِ والبَلاغَةِ.
وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِوُرُودِ المُتَشابِهِ في القُرْآنِ فَوائِدَ: مِنها أنَّهُ يَكُونُ في الوُصُولِ إلى الحَقِّ مَعَ وُجُودِها فِيهِ مَزِيدُ صُعُوبَةٍ ومَشَقَّةٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ الثَّوابِ لِلْمُسْتَخْرِجِينَ لِلْحَقِّ وهُمُ الأئِمَّةُ المُجْتَهِدُونَ، وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والرّازِيُّ وغَيْرُهُما وُجُوهًا هَذا أحْسَنُها وبَقِيَّتُها لا تَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ هاهُنا.
قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ عائِدٌ عَلى قِسْمَيِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ أيْ: كُلُّهُ، أوِ المَحْذُوفُ غَيْرُ ضَمِيرٍ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وهَذا مِن تَمامِ المَقُولِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ.